عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
99
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
فنشر علمه يقوم مقام كل نسب ، ويغني عن كل سبب مكتسب . قلت : ومن المشهور المذكور في بعض التواريخ وغيرها أن والده الشيخ أبا محمد كان في أول أمره ينسخ بالأجرة ، فاجتمع له من كسب يده شيء اشترى به جارية موصوفة بالخير والصلاح ، ولم يزل يطعمها من كسب يده أيضاً إلى أن حبلت بإمام الحرمين وهو مستمر على تربيتها بمكتسب الحلال فلما وضعته ، أوصاها أن لا تمكن أحداً من إرضاعه ، فاتفق أنه دخل عليها يوماً وهي متألمة ، والصغير يبكي ، وقد أخذته امرأة من جيرانهم ، وشاغلته بثديها فرضع منها قليلاً فلما رآه شق عليه ، وأخذه إليه ، ونكس رأسه ، ومسح على بطنه ، وأدخل إصبعه في فيه ، ولم يزل يفعل ذلك حتى قاء جميع ما شربه ، وهو يقول : يسهل علي أن يموت ، ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه . ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان يلحقه في بعض الأحيان فترة في مجلس المناظرة ، فيقول : هذا من بقايا تلك الرضاعة ، ومولده في ثاني عشر المحرم ، سنة تسع عشرة وأربع مائة ، ولما مرض حمل إلى قرية من أعمال نيسابور ، موصوفة باعتدال الهواء وخفة الماء ، فمات بها ، ونقل إلى نيسابور ، ودفن في داره ، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين كما تقدم ودفن بجنب أبيه ، وصلي عليه ولده أبو القاسم ، وأكثر الشعراء المراثي ، ومما رثي به : قلوب العالمين على المعالي * وأيام الورى شبه الليالي أيثمر غصن أهل الفضل يوماً * وقد مات الإمام أبو المعالي ؟ سنة تسع وسبعين وأربع مائة فيها نزل تتش حلب ، ثم أخذها . وساق السلطان ملك شاه من أصبهان فقدم حلب ، وخافه أخوه تتش ، فهرب . وفيها وقعة الزلاقة ، وذلك أن ملك الإفرنج جمع الجيوش ، فاجتمع المعتمد يوسف بن تاشقين أمير المسلمين والمطوعة ، فأتوا الزلاقة من عمل بطليوس ، فالتقى الجمعان ، فوقعت الهزيمة على أعداء الله تعالى ، وكانت ملحمة عظيمة في أول جمعة من رمضان ، وجرح المعتمد عدة جراحات شديدة ، وطابت الأندلس ، فعمل الأمير ابن تاشقين